ريزدنت إيفل 9: قداس الرعب والعودة إلى الجذور


ريزدنت إيفل 9: قداس الرعب والعودة إلى الجذور


مقدمة


 


في السابع والعشرين من فبراير 2026، شهد عالم ألعاب الفيديو حدثًا استثنائيًا مع إطلاق الجزء التاسع من سلسلة ريزدنت إيفل الشهيرة، والذي حمل العنوان الفرعي "Requiem" (قداس). جاء هذا الإصدار ليكون بمثابة احتفال بالذكرى الثلاثين لتأسيس السلسلة التي بدأت رحلتها عام 1996 على جهاز بلاي ستيشن الأصلي . استطاعت كابكوم من خلال هذا الجزء أن تقدم تجربة فريدة جمعت بين عبقرية الرعب النفسي والإثارة الحركية، مما جعل اللاعبين والنقاد على حد سواء يتفقون على أن هذا الإصدار قد أعاد تعريف معايير ألعاب الرعب والبقاء على قيد الحياة.


لقد حققت ريزدنت إيفل 9 نجاحًا باهرًا منذ لحظة إطلاقها، حيث حصلت على تقييم 88 من 100 على موقع ميتاكريتيك، كما سجلت أعلى تقييم من قبل المستخدمين في تاريخ الموقع . هذا النجاح لم يأت من فراغ، بل كان نتاج سنوات من التطوير الدقيق والتخطيط المحكم من قبل المخرج كوشي ناكانيشي، الذي سبق له أن أخرج الجزء السابع الناجح Biohazard .


القصة: ثنائية الموت والحياة


الشخصيات الرئيسية


تدور أحداث ريزدنت إيفل 9 في عام 2028، أي بعد ثلاثين عامًا بالضبط من حادثة راكون سيتي المدمرة . تأخذنا القصة في رحلة مثيرة مع شخصيتين رئيسيتين، لكل منهما أسلوب لعب مختلف تمامًا عن الآخر.


البطلة الأولى هي غرايس أشكروفت (Grace Ashcroft)، محللة شابة في مكتب التحقيقات الفيدرالي FBI، تجد نفسها فجأة أسيرة داخل مجمع أبحاث مرعب بعد أن أُرسلت للتحقيق في وفيات غامضة . ما يزيد الموقف تعقيدًا هو أن والدتها، الصحفية أليسا أشكروفت (Alyssa Ashcroft) التي ظهرت في ألعاب Resident Evil Outbreak، لقيت حتفها في نفس الفندق قبل ثماني سنوات . هذا الارتباط الشخصي بالمكان يضيف طبقة درامية عميقة لتجربة غرايس، التي تجد نفسها مضطرة لمواجهة ماضيها العائلي إلى جانب كابوسها الحالي.


الشخصية الثانية هي الأسطورة ليون إس كينيدي (Leon S. Kennedy)، البطل المحبوب لدى معجبي السلسلة، والذي يعود ليخوض مغامرة جديدة بعد أن بلغ الحادية والخمسين من العمر . يظهر ليون في هذا الجزء بشكل مختلف تمامًا، فهو مثقل بذكريات الماضي وآلامه، ويعاني من مرض غامض يتمثل في عفن أسود ينتشر ببطء في جسده نتيجة تعرضه السابق للأسلحة البيولوجية . هذه التفاصيل تضفي بعدًا إنسانيًا عميقًا على الشخصية، وتجعلها أكثر إقناعًا وتعقيدًا مما كانت عليه في الأجزاء السابقة.


الشرير والصراع المركزي


يتولى مهمة تحدي البطلين في هذا الجزء الشرير فيكتور جدعون (Victor Gideon)، وهو رجل يبدو كجثة تمشي، لكنه يتحدث بهدوئه المرعب عن خطة غامضة يسميها "Elpus" . هذا الشرير الجديد يمثل تحديًا مختلفًا عن الأشرار السابقين في السلسلة، فهو لا يعتمد فقط على القوة الغاشمة، بل على الذكاء والتخطيط المحكم، مما يجعله خصمًا شرسًا ومعقدًا في آن واحد.


القصة تعيدنا إلى راكون سيتي المدمرة، حيث نستكشف أطلال المدينة ونزور مواقع أيقونية مثل فندق رينوود (Wrenwood Hotel) ومبنى شرطة RPD . هذه العودة إلى حيث بدأت السلسلة تحمل دلالات عميقة، خاصة أن الأحداث تقع بعد ثلاثين عامًا من الكارثة الأصلية، مما يسمح للاعبين برؤية كيف تغيرت هذه الأماكن عبر الزمن.


أسلوب اللعب: تجربتان في لعبة واحدة


غرايس: رعب البقاء الكلاسيكي


ما يميز ريزدنت إيفل 9 بشكل لافت هو نظام البطلين المزدوج، حيث يختلف أسلوب لعب كل شخصية اختلافًا جذريًا . في أقسام غرايس، نعود إلى جذور السلسلة الأولى من حيث الرعب والبقاء. غرايس تبدأ اللعبة بدون أي أسلحة، مما يجبرها على التسلل والاختباء تحت الأثاث أثناء مطاردتها من قبل وحش لا يُقتل .


الموارد في أقسام غرايس شحيحة جدًا، فالذخيرة غير كافية لقتل جميع الأعداء، مما يجعل اللاعب يضطر لاختيار معاركه بحكمة وتجنب المواجهات غير الضرورية . هذا التصميم يعيد إحياء روح الأجزاء الأولى من السلسلة، حيث كانت كل رصاصة تعد بمثابة كنز ثمين، وكل قرار بالمواجهة أو الهروب يحمل عواقب وخيمة.


نظام التطوير الخاص بغريس يسمى "The Bloods"، وهو نظام يعتمد على الحرف اليدوية، حيث يمكنها تحويل دماء الزومبي إلى ذخيرة وصنع قنابل بيولوجية . هذا النظام يضيف طبقة استراتيجية جديدة، حيث يجب على اللاعب جمع عينات الدم بحكمة لاستخدامها في الأوقات المناسبة.


ليون: أكشن بلا هوادة


في الجانب الآخر، تأتي أقسام ليون لتقدم تجربة مختلفة تمامًا، أشبه بريزدنت إيفل 4 من حيث الإثارة والعنف الممتع . ليون يمتلك ترسانة أسلحة هائلة، من المناشير الكهربائية التي ينتزعها من أيدي الزومبي إلى البنادق الثقيلة والمسدسات القوية . أسلوب اللعب هنا يعتمد على القتل الجماعي، حيث يحصل ليون على عملات خاصة مقابل كل عدو يقتله، يمكنه استخدامها لشراء ترقيات الأسلحة والدروع الواقية .


هذا التباين بين أسلوبي اللعب ليس مجرد تغيير سطحي، بل يؤثر بشكل كبير على كيفية تعامل اللاعب مع البيئة المحيطة. فعندما يمر ليون بمناطق سبق أن استكشفتها غرايس، يجد حلول الألغاز التي أجرتها ما زالت قائمة، لكنه يواجه حشودًا من الزومبي الذين تجنبتهم هي سابقًا . هذه الميكانيكية الذكية تعزز الشعور بالاستمرارية والترابط بين مساري اللعبة.


حرية المنظور


من الإضافات المهمة في هذا الجزء قدرة اللاعب على التبديل بين منظور الشخص الأول والثالث في أي وقت . هذا ليس مجرد خيار جمالي، بل له تأثير حقيقي على طريقة اللعب. المنظور الأول يعزز الشعور بالرعب والتوتر، وهو الأنسب لأقسام غرايس التي تعتمد على التسلل والاختباء، بينما المنظور الثالث يوفر رؤية أوسع للمحيط وهو مثالي لأقسام الأكشن مع ليون .


كابكوم لم تكتفِ بإضافة هذه الميزة كترقية بسيطة، بل صممت اللعبة بحيث يعمل كلا المنظورين بشكل كامل ومتكامل، مع رسوم متحركة فريدة لكل منهما، مما يجعل التجربة مختلفة تمامًا اعتمادًا على اختيار اللاعب.


الأعداء: زومبي بلمسة إنسانية


من أكثر الجوانب ابتكارًا في ريزدنت إيفل 9 هو إعادة تصميم الزومبي بشكل جذري. لم يعد الزومبي مجرد كائنات مسعورة تندفع نحو اللاعب دون توقف، بل أصبحت تحتفظ ببقايا من إنسانيتها السابقة . بعض الزومبي لا يزالون يقومون بأعمالهم اليومية بشكل مرعب، حيث ترى عامل النظافة وهو لا يزال يمسح الأرض، والنادل وهو يطفئ الأنوار، والبعض الآخر يعتذر أو يتوسل إليك قبل أن يهاجم .


هذه اللمسة الإنسانية تضفي طبقة جديدة من الرعب النفسي، فقتل هذه المخلوقات لم يعد مجرد فعل آلي، بل يصبح محفوفًا بالشعور بالذنب والتعقيد الأخلاقي. لكل زومبي نموذج فريد وسلوك مختلف وأسلوب هجوم خاص، مما يجعل كل مواجهة فريدة من نوعها .


الجانب التقني: قفزة نوعية في الأداء البصري


محرك RE Engine وإمكانيات الجيل الجديد


تعتمد ريزدنت إيفل 9 على محرك RE Engine الخاص بشركة كابكوم، والذي أثبت كفاءته العالية منذ استخدامه في الجزء السابع . هذا المحرك تم تطويره بشكل كبير ليتوافق مع إمكانيات الجيل الجديد من الأجهزة، مما يتيح تقديم مستويات غير مسبوقة من الواقعية البصرية.


من أبرز الإضافات التقنية في هذا الجزء هو دعم تقنية Path Tracing (تتبع المسار الكامل للأشعة)، والتي تعيد محاكاة الإضاءة بشكل واقعي جدًا . هذه التقنية تجعل الظلام أكثر سوادًا والإضاءة أكثر طبيعية، مما يعزز بشكل كبير أجواء الرعب والتوتر. كما تدعم اللعبة تقنيات DLSS 4 و FSR 4 للرفع فائقة الدقة، وتقنيات توليد الإطارات التي تضمن أداءً سلسًا حتى على الأجهزة المتوسطة .


أداء رائد على جميع المنصات


أظهرت ريزدنت إيفل 9 أداءً استثنائيًا عبر جميع المنصات. على بلاي ستيشن 5 برو، تقدم اللعبة رسومًا بدقة 4K مع تتبع أشعة كامل وبمعدل 60 إطارًا في الثانية ثابتًا . جهاز نينتندو سويتش 2 فاجأ الجميع بأدائه المذهل، حيث يعمل اللعبة بسلاسة مع تقنيات DLSS للحفاظ على جودة الصورة .


أما على الحاسوب الشخصي، فقد أظهرت اللعبة تحسنًا ملحوظًا في الأداء مقارنة بالإصدارات السابقة. الاختبارات العملية أظهرت النتائج التالية :


كارت الشاشة الدقة الإعدادات متوسط الإطارات

GTX 1070 1080p Lowest + FSR Quality ~49 fps

RTX 4060 1080p Max + DLSS Quality 82 fps

RTX 5080 4K Max + DLSS Quality (RT) 96 fps

RX 9070 XT 1440p Max + High RT + FSR 4 135 fps


هذه النتائج تؤكد أن كابكوم وفّرت التوازن المثالي بين الجودة البصرية والأداء، مما يجعل اللعبة في متناول شريحة واسعة من اللاعبين.


التقييم النقدي: بين الإشادة والتحفظات


نقاط القوة


لا يمكن الحديث عن ريزدنت إيفل 9 دون الإشادة بجودة التصميم الصوتي، حيث يساهم بشكل كبير في بناء أجواء الرعب والتوتر . استخدام تقنيات الصوت ثلاثي الأبعاد على بلاي ستيشن 5 يعزز الانغماس في العالم الافتراضي، حيث يمكن للاعب تحديد موقع الأعداء من خلال الخطوات والهمسات.


الإشادة الأكبر كانت من نصيب شخصية غرايس، التي وصفها النقاد بأنها "الأكثر إنسانية وقابلية للتصديق في تاريخ السلسلة" . تطور الشخصية من محللة خائفة إلى امرأة قادرة على مواجهة أهوالها كان مقنعًا ومؤثرًا.


أما ليون، فقد وصفته مراجعة IGN بأنه "أروع شخصية في السلسلة"، حيث أضافوا أن "كل مشهد يظهر فيه كان هناك شيء يفعله ليكون أروع شخصية على الإطلاق، وكانوا يختارون الشيء المناسب في كل مرة" .


نقاط التحفظ


رغم النجاح الكبير، أشارت بعض المراجعات إلى أن اللعبة تعاني من عدم توازن في الإيقاع بين شقي اللعبة. فبينما كانت أقسام غرايس مرعبة ومتوترة، تحولت أقسام ليون في النصف الثاني إلى أكشن مفرط، مما جعل بعض اللاعبين يشعرون بأنهم كانوا يلعبون لعبتين منفصلتين .


كما أشار البعض إلى أن طول اللعبة (حوالي 10 ساعات للتجربة الأولى) قد يكون قصيرًا نسبيًا مقارنة ببعض الأجزاء السابقة . لكن يمكن تعويض ذلك من خلال إعادة اللعب لفتح المحتويات الإضافية.


المحتوى الإضافي المنتظر DLC


وفقًا لتسريبات الموثوق Dusk Golem، تعمل كابكوم حاليًا على محتوى إضافي للعبة وصل مراحل متقدمة من التطوير . هذا المحتوى من المتوقع أن يركز على شخصية ليون، مع احتمالية استخدام مواد تم اقتصاصها من اللعبة الأساسية في مراحل متأخرة من التطوير .


كما ترددت شائعات عن إمكانية ظهور شخصية إيليسا (Alyssa) في هذا المحتوى الإضافي، على الرغم من عدم ظهورها في اللعبة الأساسية . هذا من شأنه أن يربط اللعبة بشكل أكبر بتاريخ السلسلة ويعمق خلفية غرايس الدرامية.


من المتوقع أن يتم الإعلان عن هذا المحتوى قريبًا، خاصة مع وجود إشارات من خلال إصدار تماثيل Amiibo في يوليو 2026 والتي قد تكون جزءًا من حملة تسويقية أكبر .


الخلاصة


بعد مراجعة شاملة لكل جوانب ريزدنت إيفل 9: Requiem، يمكن القول إن كابكوم نجحت في تقديم عمل استثنائي يليق بسمعة السلسلة العريقة. اللعبة استطاعت المزج بين عناصر الرعب الكلاسيكي التي جعلت السلسلة مشهورة، والإثارة الحركية الحديثة التي تجذب جمهورًا أوسع.


الابتكارات التي قدمتها اللعبة، من نظام البطلين المزدوج إلى الزومبي ذوي السلوك الإنساني، تثبت أن كابكوم لا تزال قادرة على تجديد السلسلة بعد ثلاثة عقود من انطلاقتها. الأداء التقني الرائد على جميع المنصات يؤكد أن الفريق المطور قد استفاد بشكل كامل من إمكانيات الجيل الجديد من الأجهزة.


بالنسبة للاعبين القدامى، ستجد في ريزدنت إيفل 9 ما يذكرها بأيام راكون سيتي المجيدة، مع لمسات عصرية تجعل التجربة جديدة ومثيرة. أما للاعبين الجدد، فتمثل اللعبة نقطة دخول ممتازة إلى عالم ريزدنت إيفل، بفضل قصتها المستقلة نسبيًا وتنوع أنماط اللعب التي تناسب مختلف الأذواق.


في النهاية، يمكن القول إن ريزدنت إيفل 9 ليست مجرد لعبة جديدة في السلسلة، بل هي احتفاء بثلاثين عامًا من الرعب والبقاء، وتأكيد على أن هذه السلسلة لا تزال تمتلك الكثير لتقدمه لعشاق ألعاب الفيديو حول العالم.


تعليقات